فى ظلال الهدى النبوى و أم المؤمنين صفيه بنت حيى | مصر العصرية - جريدة مصر العصرية

جريدة مصر العصرية

سياسية,إجتماعية,ثقافية,اقتصادية,رياضية,فنية-عربية,عالمية,متنوعة,شاملة,تهتم,بنشر,الكلمة,الصادقة,التي تعبر,عن,المعنى,الهادف.

اخر الأخبار

ِِAlexa Rank

Thursday, February 13, 2020

فى ظلال الهدى النبوى و أم المؤمنين صفيه بنت حيى | مصر العصرية



بقلم / محمــــد الدكـــــرورى
السيدة صفية بنت حيي، التي كانت يهودية وخيّرها النبي صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله ما بين الإسلام أو أن تظل على اليهودية وتعود إلى قومها فاختارت الإسلام ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وهي السيدة الفاضلة التي حباها الله لقب أم المؤمنين واختارها من بين قومها واصطفاها من بين نساء بني جلدتها " يهود خيبر"، ليمّن عليها بنعمة الإسلام وليخرجها من ظلمة التعصب إلى نور الإيمان، ثم يمّن عليها ربها مرة أخرى فيجعلها زوجاً للنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وأماً من أمهات المؤمنين اللاتي تٌتلى سيرتهن العطرة إلى يوم القيامة.
وكانت أم المؤمنين السيدة صفية بنت حيي بن أخطب من يهود بني النضير، وأبوها سيد بني النضير، وأمها برة بنت شموال من يهود بنى قريظة، وينتهي نسب السيدة صفية إلى نبي الله هارون أخو موسى رسول بني إسرائيل، عليهما السلام ، وكان أبوها سيد قومه وزعيمهم، وهم اليهود الذين ينحدر نسلهم من نبي الله يعقوب بن اسحق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وكذلك ذرية نبي الله هارون عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
وكان لدخول السيدة صفية بنت حيي في الإسلام قصة طويلة تبرهن لنا أن الله سبحانه وتعالى يصطفي من الناس من يطّلع على سرائرهم فيجدها نقية تقية متحلية بالمكارم من الأفعال والأقوال، فيجتبيها ويصطفيها كما فعل سبحانه وتعالى مع هذه السيدة الكريمة صفية بنت حيي " رضي الله عنها وأرضاها ".
ففي السنة السابعة من الهجرة النبوية الشريفة ومع بزوغ هلال شهر المحرم تهيأ جيش المسلمين بقيادة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم لمواجهة طال انتظارها مع يهود خيبر اللّذين نقضوا عهدهم مع رسول الله، وألّبوا عليه القبائل، وخططوا لغزو المدينة المنورة وقتل المسلمين.
فما كان من الله تعالى إلا أن نصر المسلمين وفتح لهم حصون خيبر ومكنهم من اليهود اللّذين بيّتوا الغدر والقتل لهم، وليس ذلك فقط بل أجلاهم خارج المدينة إلى الأبد فلا يدخلوها ما بقوا، وفى ذلك يقول الله سبحانه وتعالى في أوائل سورة الحشر: ( هو الذي أخرج الّذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب) سورة الحشر .
وكان هناك في خضم المعركة سيدة شريفة جميلة هي عقيلة بني النضير وابنة سيد القوم، والتي كانت قد وقعت أسيرة بين أسيرات النساء من يهود بني النضير، وكانت تبلغ من العمر سبعة عشر عاماً، وعلى صغر سنها كانت قد تزوجت مرتين، أولهما من فارس قومها وشاعرهم سلام بن مكشم القرظي ثم خلف عليها كنانة بن الربيع النضري ويقال انه كان ابن عمها، وسيقت نساء حصون خيبر أسارى، وفى مقدمتهم السيدة صفية التي كانت تحاول أن تتماسك في ظل هزيمة قومها.
وفى نفس الوقت كانت نفسها تحدثها بأن أمراً ما سيحدث لها وسيرضيها، كما كانت نفسها تهفو إلى رؤية النبي الجديد الذي طالما سمعت عنه من قومها، فظلت ترقب ما يحدث حولها وتتعلق عيناها برسول الله صلى الله عليه وسلم، تستمع لما يقوله وتطابقه بما سمعته عنه من أنه نبي آخر الزمان وتذكرت رؤياها التي رأتها من قبل، فانشرح صدرها للدين الجديد ولنبيه
وقد تزوجت السيدة صفية قبل إسلامها من سلامه بن مكشوح القرظي، وكان فارس قومه وشاعرها، وبعد موته تزوجت بكنانة بن أبي الحقيق ولكنه قتل يوم خيبر، وكأن رسولنا الكريم قد أحس بها، وأطلعه الله سبحانه وتعالى على حديث نفسها، فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، وخيّرها بين الإسلام والبقاء على دينها قائلاً لها: " اختاري، فإن اخترت الإسلام أمسكتك لنفسي ، أي: تزوّجتك ، وإن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقي بقومك ".
فقالت السيدة صفية: "يا رسول الله، لقد هويت الإسلام وصدقت بك قبل أن تدعوني، حيث صرت إلى رحلك وما لي في اليهودية أرب، وما لي فيها والد ولا أخ، وخيرتني الكفر والإسلام، فالله ورسوله أحب إليّ من العتق وأن أرجع إلى قومي".
فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن أعتقها وتزوّجها، وجعل عتقها صداقها. ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخدها لطمة فقال: (ما هذه؟)، فقالت: إني رأيت كأن القمر أقبل من يثرب، فسقط في حجري، فقصصت المنام على ابن عمي فلطمني، وقال: تتمنين أن يتزوجك ملك يثرب، فهذه من لطمته.
وهنا أعتقها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتزوجها بعد أن انتهت عدتها، وفي الزفاف كانت من تهيئها أم سليم وهي التي مشطتها وعطرتها، وصنع النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وليمة للزفاف، كما جاء في صحيح البخاري.
وكانت السيدة صفية قبل إسلامها وقبل أن تتزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأت رؤية تشير إلى أنها ستتزوج من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: "رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعيني صفية خضرة فقال: "يا صفية ما هذه الخضرة ؟" فقالت: كان رأسي في حجر ابن أبي حقيق، وأنا نائمة فرأيتُ كأن قمراً وقع في حجري فأخبرته بذلك، فلطمني وقال: تمنِّين ملِكَ يثرب؟ يقصد سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. رواه بن حبان
وكان النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم دائمًا ما يجبر بخاطر السيدة صفية، فذات مرة دخل النبي صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله على السيدة صفية وهي تبكي، فسألها عن السبب فأخبرته أن أم المؤمنين السيدة حفصة قالت عنها: إنها بنت يهودي، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إنك ابنة نبي وعمك نبيّ وإنك تحت نبيّ ففيم تفخر عليك". ثم قال لحفصة: "اتق الله يا حفصة".
ولا يخفى علينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يهم بفعل شيء إلا بوحي من الله تعالى، وقد تظهر الحكمة الإلهية من زواجها، بأن نبينا بٌعث برسالته إلى كافة الأنحاء والأرجاء والأديان التي جاءت قبل الإسلام.
وكما جاء من أسباب زواج النبي صلى الله عليه وسلم رغبته الكريمة في إعزازها وإكرامها ورفع مكانتها، إلى جانب تعويضها خيراً ممن فقدت من أهلها وقومها، ويضاف إلى ذلك إيجاد رابطة المصاهرة بينه وبين اليهود لعله يخفّف عداءهم، ويمهد لقبولهم دعوة الحق التي جاء بها.
وأدركت سيدتنا صفية رضي الله عنها ذلك الهدف العظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجدت الدلائل والقرائن عليه في بيت النبوة، فأحست بالفرق العظيم بين الجاهلية اليهودية ونور الإسلام، وذاقت حلاوة الإيمان، وتأثّرت بخلق سيد الأنام، حتى نافس حبّه حب أبيها وذويها والناس أجمعين.
ولما دخلت السيدة صفية بيت النبوة كانت تخاف من التعريض بأصلها اليهودي، أو من عدم محبة أهل بيت النبوة لها، فحرصت على إبقاء روح المحبة والود بين زوجات النبي جميعاً، كما كانت تحب سيدتنا فاطمة الزهراء ابنة رسول الله حباً كبيراً حتى أنها أهدت إليها قلادة من ذهب كانت ترتديها.
وكانت رضي الله عنها امرأة شريفة، عاقلة، ذات حسب أصيل، وجمال ورثته من أسلافها، وكان من شأن هذا الجمال أن يؤجّج مشاعر الغيرة في نفوس نساء النبي صلى الله عليه وسلم: فتقول صفيّة: رضي الله عنها: " دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وقد بلغني عن عائشة وحفصة كلام، فقلت له: بلغني أن عائشة وحفصة تقولان نحن خير من صفية، نحن بنات عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه. فقال: " ألا قلت: وكيف تكونان خيراً مني؟ وزوجي محمد، وأبي هارون، وعمّي موسى " .
ويا للطف رسول الله صلى الله عليه وسلم معها ورحمته لغربتها ومراعاته لمشاعرها، ويالحنوه ومراعاته لمشاعر كل من حوله ، وأحبت السيدة صفية حياتها الجديدة، وأسلمت كما علمنا وحسٌن إسلامها، فذهبت تنهل من نور القرآن وتتعلمه، وأخذت بحظ وافر من العلم النبوي الشريف وظلت تعي فقه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، حتى أنها روت عنه بعض الأحاديث، ولم تكتف بنفسها فقط بل كانت تدعو إلى الإسلام كل من تجد قلبه مستعداً لاستقبال نور الإسلام وتعاليمه، فدخل في الإسلام من يهود بني النضير كنانة ابن أخيها، وغيره.
ولقد علمت السيدة صفية مكانة الزوج في الإسلام وعلمت أنّ مفتاح جنتها على الأرض هو زوجها، فتفانت رضي الله عنها في إرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت السيدة صفية صانعة طعام، أي طاهية ماهرة، وعلمت أن النبي قد أحب هذه الصفة منها فكانت تصنع له الأطباق الشهية وتبعث بها إليه حتى في غير يومها، وقد علمت أن للسيدة عائشة مكانتها الخاصة عند النبي فأبقت على حبائل المودة معها ومع كل من كان حول النبي فأحبت ما يحبه، وبعدت عما يكره.
ومن مواقفها الدالة على حلمها وعقلها، ما ذكرته كُتب السير من أن جارية لها أتت عمر بن الخطاب فقالت: إن صفية تحب السبت، وتصل اليهود، فبعث عمر يسألها، فقالت: أما السبت فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحماً فأنا أصلها، ثم قالت للجارية: ما حملكِ على ما صنعت؟ قالت: الشيطان، قالت: اذهبي فأنت حرة ، وتوفيت أم المؤمنين السيدة صفية رضي الله عنها سنة خمسين من الهجرة في زمن معاوية، ودفنت رضي الله عنها بالبقيع مع أمهات المؤمنين.

No comments:

Post a Comment

الصفحات