أبو البشر آدم عليه السلام ( الجزء الأول) | مصر العصرية - جريدة مصر العصرية

جريدة مصر العصرية

سياسية,إجتماعية,ثقافية,اقتصادية,رياضية,فنية-عربية,عالمية,متنوعة,شاملة,تهتم,بنشر,الكلمة,الصادقة,التي تعبر,عن,المعنى,الهادف.

اخر الأخبار

ِِAlexa Rank

Wednesday, March 25, 2020

أبو البشر آدم عليه السلام ( الجزء الأول) | مصر العصرية


بقلم / محمـــــد الدكـــــرورى

عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم قال: إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب والسهل والحزن وبين ذلك. رواه أبو داود والترمذي .

وأبو البشر آدم عليه السلام ، خلقه الله بيده وأسجد له الملائكة وعلمه الأسماء وخلق له زوجته وأسكنهما الجنة وأنذرهما أن لا يقربا شجرة معينة ولكن الشيطان وسوس لهما فأكلا منها فأنزلهما الله إلى الأرض ، ومكن لهما سبل العيش بها وطالبهما بعبادة الله وحده وحض الناس على ذلك، وجعله خليفته في الأرض، وهو رسول الله إلى أبنائه وهو أول الأنبياء.

وعن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما صور الله آدم عليه السلام في الجنة، تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به ينظر ماهو، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقاً لا يتمالك. رواه مسلم .

وأخبر الله سبحانه وتعالى ، ملائكة بأنه سيخلق بشرا خليفة له في الأرض ، فقال الملائكة: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خلق الله آدم وطوله ستون ذراعاً. رواه البخارى .

وبعد أن خلق الله هذا الجسد بهذه الصورة، وسواه نفخ فيه الروح ، وما يوجد في القرآن الكريم من أن آدم عليه السلام خُلق من تراب ، أو من صلصال ، أو من طين : فإنما هي مراحل في خلقه ، وتُذكر كل مرحلة في مكانها المناسب في كتاب الله تعالى .

وأما ترتيب مراحل خلق الله سبحانه وتعالى لآدم فإنها بدأت بالتواب، ثم أضيف إليه الماء فصار طينا ، ثم صار هذا الطين حمأ مسنوناً ، أي أسود متغير ، فلما يبس هذا الطين من غير أن تمسه النار ، صار صلصالاً ، والصلصال هو الطين اليابس  لم تمسه نار ، ثم نفخ الله سبحانه وتعالى ، في مادة الخلق هذه من روحه ، فصار هذا المخلوق بشراً ، وهو آدم عليه السلام .

ويوحي قول الملائكة على الله عز وجل هذا بأنه كان لديهم تجارب سابقة في الأرض أو إلهام وبصيرة ويكشف لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق وما يجعلهم يتوقعون أنه سيفسد في الأرض وأنه سيسفك الدماء ، وهم بفطرة الملائكة البريئة التي لا تتصور إلا الخير المطلق ويرون التسبيح بحمد الله والتقديس له وهو وحده الغاية للوجود وهو متحقق بوجودهم هم ، ويسبحون بحمد الله ويقدسون له ، ويعبدونه ولا يفترون عن عبادته .

وهذه الحيرة والدهشة التي ثارت في نفوس الملائكة بعد معرفة خبر خلق آدم ، أمر جائز على الملائكة، ولا ينقص من أقدارهم شيئا، لأنهم، رغم قربهم من الله، وعبادتهم له، وتكريمه لهم، لا يزيدون على كونهم عبيدا لله، لا يشتركون معه في علمه، ولا يعرفون حكمته الخافية، ولا يعلمون الغيب ، ولقد خفيت عليهم حكمة الله تعالى ، في بناء هذه الأرض وعمارتها وفي تنمية الحياة وفي تحقيق إرادة الخالق في تطويرها وترقيتها وتعديلها ، على يد خليفة الله في أرضه .

وهذا الذي قد يفسد أحيانا وقد يسفك الدماء أحيانا وعندئذ جاءهم القرار من العليم بكل شيء والخبير بمصائر الأمور: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) ومما لا شك فيه أن الله تعالى لا يقدِّر شيئاً ولا يخلقه ولا يشرعه إلا لِحكَم بالغة ، فهو الحكيم سبحانه وتعالى ، ومن صفاته الحكمة ، لكنَّه تعالى لم يُطلع خلقه على حكَم كل ما شاءه أو شرعه ، والشريعة تأتي بما تحار به العقول لا بما تحيله العقول .

وأدركت الملائكة أن الله سيجعل في الأرض خليفة وأصدر الله سبحانه وتعالى أمره إليهم تفصيلا، فقال إنه سيخلق بشرا من طين، فإذا سواه ونفخ فيه من روحه فيجب على الملائكة أن تسجد له، والمفهوم أن هذا سجود تكريم لا سجود عبادة، لأن سجود العبادة لا يكون إلا لله وحده.

وجمع الله سبحانه وتعالى قبضة من تراب الأرض، فيها الأبيض والأسود والأصفر والأحمر ولهذا يجيء الناس ألوانا مختلفة ، ومزج الله تعالى التراب بالماء فصار صلصالا من حمأ مسنون ، وتعفن الطين وانبعثت له رائحة وكان إبليس يمر عليه فيعجب أي شيء يصير هذا الطين؟

ومن هذا الصلصال خلق الله تعالى آدم و سواه بيديه سبحانه ، ونفخ فيه من روحه سبحانه ، فتحرك جسد آدم ودبت فيه الحياة وفتح آدم عينيه فرأى الملائكة كلهم ساجدين له  وما عدا إبليس الذي كان يقف مع الملائكة، ولكنه لم يكن منهم، لم يسجد ، فهل كان إبليس من الملائكة ؟ والظاهر أنه لا ، لأنه لو كان من الملائكة ما عصى ، فالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون .

ولاختلاف حال الخلق اختلف أصل خلقتهم ، فكان خلْقُه تعالى للملائكة من نور ، وخلْقُه للشياطين من نار ، وخلقه لآدم من تراب ، ومنه يُعلم أنه لما كان حال أولئك الخلق مختلفاً : كان أصل خِلقتهم مختلفاً ، فلما كان الملائكة للعبادة والتسبيح والطاعة : ناسب أن يكون خلقهم من نور ، ولما كان حال الشياطين للوسوسة والكيد والفتنة :

ناسب أن يكون خلقهم من نار ، ولما كان الإنسان معمِّراً للأرض وفيه سهولة وليونة وصعوبة وشدة وطيب وخبث : ناسب أن يكون خلقه من مادة تحوي ذلك كله ، فالنار شيء واحد ، والنور شيء واحد ، لكن التراب يختلف من مكان لآخر وهذا هو حال الإنسان

فوبّخ الله سبحانه وتعالى إبليس: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ) . فردّ بمنطق يملأه الحسد: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) . هنا صدر الأمر الإلهي العالي بطرد هذا المخلوق المتمرد القبيح: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) وإنزال اللعنة عليه إلى يوم الدين.

ولا نعلم ما المقصود بقوله سبحانه (مِنْهَا) فهل هي الجنة ؟ أم هل هي رحمة الله ، وهذا وذلك جائز ، ولا محل للجدل الكثير ، فإنما هو الطرد واللعنة والغضب جزاء التمرد والتجرؤ على أمر الله الكريم ، (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ، لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)

وهنا تحول الحسد إلى حقد ، وإلى تصميم على الانتقام في نفس إبليس: (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) واقتضت مشيئة الله للحكمة المقدرة في علمه أن يجيبه إلى ما طلب ، وأن يمنحه الفرصة التي أراد ، فكشف الشيطان عن هدفه الذي ينفق فيه حقده: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) ويستدرك فيقول: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) فليس للشيطان أي سلطان على عباد الله المؤمنين .

وبهذا تحدد منهجه وتحدد طريقه ، إنه يقسم بعزة الله ليغوين جميع الآدميين ولا يستثني إلا من ليس له عليهم سلطان ولا تطوعاً منه ولكن عجزاً عن بلوغ غايته فيهم ، وبهذا يكشف عن الحاجز بينه وبين الناجين من غوايته وكيده ، والعاصم الذي يحول بينهم وبينه وإنه عبادة الله التي تخلصهم لله وهذا هو طوق النجاة ، وحبل الحياة .

وكان هذا وفق إرادة الله وتقديره في الردى والنجاة ، فأعلن سبحانه وتعالى إرادته وحدد المنهج والطريق: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) فهي المعركة إذن بين الشيطان وأبناء آدم ، يخوضونها على علم، والعاقبة مكشوفة لهم في وعد الله الصادق الواضح المبين ، وعليهم تبعة ما يختارون لأنفسهم بعد هذا البيان .

وقد شاءت رحمة الله ألا يدعهم جاهلين ولا غافلين ، فأرسل إليهم المنذرين ، بعد أن خلق الله عز وجل آدم خلق منه حواء، كما قال سبحانه: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) سورة النساء .

No comments:

Post a Comment